لعل القاريء لأغلب الشعر العربي القديم يجد هذا الفرق الشاسع بين المعاني والألفاظ من جهة وبين وظيفته من جهة ، وبين الشعر الحديث بمختلف ألوانه 0
فالشاعر القديم كان لسا ن حال قبيلته ، يمثل المجتمع الذي يعيش فيه .. لذلك كانت قصائده في مجملها تدر حول المديح ، والهجاء ، والغزل ، والرثاء وغير ذلك وكانت قصائدهم تحمل البناء ذاته من ناحيه, الوقوف على الأطلال . ثم رحلة الظعائن ..فالغزل .. الى أن يصل الشاعر الى الموضوع الذي يقصده من مدح أو غيره ……..؟
وقد يحتاج الشاعر الى ابيات كثيرة للوصول الى غايته (( هكذا يفرض عليه بناء القصيدة ..أن يظل أسيرا للبناء (( التقليد ))0
أما شاعرنا الحديث ،فقد غادر كل تلك الأسباب ، مجتمعة .. وكانت له أسبابه ومشاكله التي جعلته يلجأ الى المختصر من المعاني .. مستخدما الأساطير والحكايا .. زادا له … يضمنها كتاباته..؟؟
لذلك جاءت قصائده معبرة ….. بعيدة عن الأطالة التي لا لزوم لها ,,, كما يرى … ولا تخدم قضيته0
واليوم أريد أن أتحدث عن ظاهرة من ظواهر الشعر العربي الحديث وهي ظاهرة الحزن
وقبل كل ذلك لابدّ أن نعرف السبب الرئيسي لهذا الحزن….؟؟؟
لعل المعرفة هي السبب الرئيسي ، ولنطلق على هذا الحزن (( الحزن المعرفي البحت ))0
فالمعرفة بحد ذاتها لها حزنها الخاص لقد نظر شاعرنا الحديث فوجد نفسه في عالم مختلف ومتغير لايشبه الواقع الذي عاشه الشاعر القديم وكما أسلفت فالشاعر القديم هو لسان حال قبيلته أي أبن مجتمعه ……. بينما وجد شاعرنا المعاصر وقد فصلته فجوة كبيرة عن مجتمعه
يقول الشاعر صلاح عبد الصبور:
يا مَنْ يدل خطوتي على طريق الدمعة البريئه
يا من يدل خطوتي على طريق الضحكة البريئه
أعطيك ما أعطتني الدنيا من التجريب والمهاره
لقاء يوم واحد من البكاء0
لقد نظر شاعرنا المعاصر الى الواقع الماثل أمام عينيه ، فرأى الضحكة مشوبة بالزيف
ورأى الدمعة مشوبة بالفجور ، فراح يطالب بالطهارة
وإذا أردنا أن نتلمس الخطوط العريضة لهذا الحزن علينا أن نعود لقصيدة نازك الملائكه(( يحكى أن حفارين))في هذه القصيده تتحدث نازك الملائكه عن مأساة الوجود المتمثلة بحفاري القبورالذين يطلبون الحياة عن طريق الموت، فالموت هو وسيلتهما الوحيده للبقاء:0
طالما حفرا في التراب
حفرا في الضباب
ربما حفرا في شحوب الخريف
أو عبوس الشتاء المخيف
طالما شوهدا يحفران
يحفران …؟
في لهفة …. يحفران
وهما الآن ……..؟؟
فوق الثرى ………. ميتان .؟ء
وهذا ينقلنا الى النقطة التالية من معالم ظاهرة الحزن ، ولنذهب مع السياب في رحلة مع وصفه لعزرائيل وهو ينقض على فريسته:0
كم يُمَضٌّ الفؤادَ أنْ يصبح الإنسان
صيدا لرمية الصياد ..؟؟
مثل أيِّ الظباءِ … أيِّ العصافير ..ضعيفاً
قابعا في ارتعادة الخوف ؟؟
يختضٌّ ارتياعاً
لأنَّ ظلاً مخيفاً
يرتمي … ثم يرتمي في اتّئادِ
ثعلب الموت ….فارس الموت
عزرائيل يدنو ويشحذ النصل ….آه
منه آه …… يصك أسنانه الجوعى
ويرنو مهددا يا ألهي ………؟؟؟؟
هي صورة مرعبة يرسم فيها السياب عزرائيل بصورة ثعلب يخادع لينقض على فريسته
ويتابع:0
ليت أن الحياة كانت فناء
قبل هذا الفناء…….. هذه النهايه
ليت هذا الختام ………. كان ابتداء
هكذا يصل الشاعر الى القول الى أن الحياة أكذوبة، ونظام الحياة الداخلي مفتت وموهوم مهما كان النظام الخارجي ممنطق ومنظم… وهذا ما يؤكه الشاعر صلاح عبد الصبور:0
هل تدري في أي الأيام نعيش
هذا اليوم الموبوء…. هو اليوم الثامن
من أيام الأسبوع الخامس
في الشهر الثالث عشر
هكذا تنقلب المفاهيم فيرى الشاعر أن الأسبوع ثمانية أيام
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ